تاريخ العطر: من الدخان المقدس إلى النيش

4 دقائق للقراءة

كلمة parfum الفرنسية تعود إلى اللاتينية per fumum، "عبر الدخان": فقبل أن يصبح العطر سائلًا ثمينًا في قارورة، كان دخانًا يتصاعد نحو الآلهة. وبعد أربعة آلاف سنة، صار يُرش على معصم في الدار البيضاء، وبين الاثنين تتوالى معابد وأنابيق تقطير وصنّاع قفازات معطرة ومبدعون متمردون. وفي هذه الحكاية كلها، لم يكن المغرب يومًا مجرد متفرج.

نقش مصري قديم يظهر تقدمة من العطر والبخور للآلهة

العصور القديمة: العطر ملك للآلهة

كل شيء بدأ في مصر، حيث كان الكهنة كل مساء يحرقون الكيفي، مزيجًا مقدسًا من الراتنجات والعسل والنبيذ والتوابل، يحمل دخانه الصلوات. وكانت المرّ واللبان يُتاجَر بهما بسعر الذهب، حتى إن الفراعنة كانوا يُجهّزون حملات كاملة لجلبهما.

أول عطّارة احتفظ التاريخ باسمها كانت امرأة، تابوتي: فقبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، في بلاد الرافدين، كانت تقطّر الأزهار والزيوت والراتنجات لبلاط الملك. وهذه الكيميائية قبل أوانها لا يزال اسمها منقوشًا على لوح من الطين.

ثم أخرج الإغريق، ومن بعدهم الرومان، العطر من المعابد ليُدخلوه الحمامات والأجساد والولائم. وأسرفت روما في استعماله رغم استياء حكمائها الأخلاقيين: لم يعد العطر قربانًا، بل صار متعة.

رسم على إناء إغريقي قديم يظهر امرأة تحمل قارورة عطر من المرمر

العصر الذهبي العربي: العطر يصبح سائلًا

التحول التقني الحقيقي جاء بين القرنين التاسع والحادي عشر، في العالم العربي الإسلامي، حيث جمع الكندي عشرات الوصفات في كتابه عن كيمياء العطر، بينما يُنسب إلى ابن سينا تطوير التقطير بالبخار، ذلك الذي يمنح ماء الورد رقّته.

توقف العطر عن كونه عجينة دهنية أو دخانًا ليصبح سائلًا دقيقًا قابلًا للنقل، حتى صارت القوافل تنقل ورد دمشق وعود آسيا ولبان عُمان على مسافات آلاف الكيلومترات.

ثم عبرت هذه المعرفة الأندلس والمغرب الكبير قبل أن تصل أوروبا، تاركةً في طريقها إرثًا لم يفقده المغرب يومًا.

المغرب، أرض العطر منذ الأزل

عندنا، العطر ليس موضة مستوردة، بل ثقافة منزلية تنتقل من الأم إلى ابنتها ومن الأب إلى ابنه، ولا تزال حية إلى اليوم في ثلاث تقاليد راسخة.

ورد قلعة مكونة

كل ربيع، يكتسي وادي دادس بورد دمشق. في قلعة مكونة، تُقطف أطنان من البتلات يدويًا عند الفجر، قبل أن تبدد الشمس عطرها، ثم تُقطَّر في عين المكان لتصبح ماء ورد. وفي كل شهر ماي، يحتفي موسم الورد بالقطاف، فيما تسافر خلاصة الورد المغربي حتى مختبرات كبريات بيوت العطور.

ورد دمشقي مزهر أمام قصبة في وادي دادس، قرب قلعة مكونة

زهر البرتقال، ذهب العائلات الأبيض

في فاس كما في مراكش، يبقى تقطير زهر البرتقال طقسًا عائليًا ربيعيًا. ماء زهر البرتقال يعطّر الحلويات، ويبارك الأعراس، ويستقبل الضيف: المرش، تلك القارورة الرشّاشة، يُصبّ منها بضع قطرات على أيدي من نستقبلهم. أما النيرولي المغربي فيتهافت عليه عطّارو العالم أجمع.

قطف يدوي لزهر البرتقال في المغرب، موضوع على صينية خشبية

البخور، العطر عبر الدخان

شظايا العود والراتنجات والعنبر والمسك توضع على جمر المبخرة: البخور يعطّر البيوت، ويتغلغل في القفاطين، ويرافق الأفراح والمناسبات. per fumum، حرفيًا، إذ لم يتوقف المعنى الأول لكلمة عطر في المغرب عن الوجود يومًا.

مبخرة تقليدية يتصاعد منها دخان البخور

أوروبا تأخذ الراية: قفازات معطرة وحقول غراس

في القرن السادس عشر، فرضت كاترين دي ميديتشي على بلاط فرنسا موضة القفازات المعطرة. وفي غراس، مدينة الدبّاغين، كانوا يعطّرون الجلود لإخفاء رائحتها؛ ثم اندثرت المدابغ في النهاية، وبقيت الأزهار وحدها: الياسمين، وورد ماي، والسوسن الليلي، واللافندر. وهكذا أصبحت المدينة البروفنسالية الصغيرة عاصمة العطر في العالم.

في سنة 1709، في كولونيا، ركّب عطّار إيطالي ماءً خفيفًا من الحمضيات وزهر البرتقال تعطّرت به أوروبا بأسرها، ولا يزال يحمل اسم المدينة إلى اليوم: ماء كولونيا.

حقل لافندر في بروفانس، قرب مدينة غراس، عاصمة العطر في العالم

1882: الكيمياء تغيّر كل شيء

وُلدت العطارة الحديثة مع جزيء واحد. ففي 1882، تجرأ عطر Fougère Royale من دار Houbigant على أول كومارين اصطناعي، قبل أن يزاوج عطر Jicky من Guerlain بين الجزيئات والخلاصات الطبيعية سنة 1889. وفي 1921، أتمّت الألدهيدات في عطر N°5 من Chanel الثورة: فالعطر لم يعد يقلّد الطبيعة، بل صار يؤلّفها ويغدو فنًا تجريديًا.

قارورة عطر Jicky، الرمز الأيقوني لدار Guerlain، أُطلق سنة 1889

حوّل القرن العشرون هذا الفن إلى صناعة: فأطلقت دور الأزياء عطورها، واستولى التسويق على القرار، وهذّبت دراسات المستهلك الزوايا الحادة، حتى إنه مع نهاية القرن صارت عطور كثيرة تُباع عبر وجه إعلاني، وتنتهي إلى التشابه بشكل مثير للريبة.

النيش: عودة العطّارين الأحرار

ردًا على ذلك، اختارت دور مستقلة العكس تمامًا: لا إعلانات، لا تنازلات، مواد أولية باهظة الثمن، ومواقف جريئة مُتحمَّلة. سيُطلق عليها اسم عطارة النيش.

أجمل رمز لهذه العودة إلى الأصول اسمه Amouage، التي تأسست سنة 1983 في عُمان لتعيد للبان مكانته النبيلة، ذلك اللبان عينه الذي كانت تحرقه المعابد القديمة، والذي يُعدّ عطرها الفخم Jubilation 40 وريثه المباشر اليوم.

قارورة عطر Amouage Jubilation 40 الشرقي من الدار العُمانية Amouage

واسم كبير آخر من عالم النيش يغلق الحلقة المغربية: Serge Lutens، الذي وقع في غرام مراكش واستقر في مدينتها العتيقة منذ عقود. أرز الأطلس ألهم عطره Féminité du bois، وعطره Ambre Sultan وُلد من قطعة عنبر عثر عليها في سوق المدينة قبل سنوات. عطارة النيش لم تبتعد عن تقاليدنا، بل تتغذى منها.

اليوم في المغرب: النيش وجد جمهوره

حب العود والعنبر، الحرص على الأصالة، العطر يُرتدى كتوقيع شخصي: كل هذا هيّأ المغرب لعشق النيش. جيل من المتحمسين يقارن التركيبات، ويترقّب الإصدارات الجديدة، ويعرف كلاسيكياته، من Oud Satin Mood إلى عطور Amouage الشرقية.

يبقى عائق السعر، فقارورة نيش واحدة تكلّف غالبًا آلاف الدراهم. ولهذا بالضبط توجد التقسيمة: 8 مل من عطر عظيم، مأخوذة من القارورة الأصلية، لارتدائه فعلًا قبل الالتزام. وهي الطريقة الأصدق لبناء ثقافة شمّية حقيقية.

بدأت حكاية العطر بدخان أُهدي للآلهة، وها هي تتواصل، بعد أربعة آلاف سنة، على معاصمنا. ولتكتب فصلك الخاص، تصفح مجموعة عطور النيش، أو دليل أفضل عطور النيش بالتقسيمة، أو تعلّم أولًا كيف تختبر عطر نيش قوي.

العودة إلى المدونة

اترك تعليقا

يرجى ملاحظة أنه يتعين الموافقة على التعليقات قبل نشرها.